قال الشاعر:
كل ابن أنثى ولو طالت سلامته...
يوما على آلة حدباء محمول
الموت مصير كل حي، وهو نهاية كل إنسان ، لا بد من أن نتجرع كأسه شئنا أم أبينا ، ولم يُعفَ من هذا التجرع نبي مرسل ولا سيد الخلق ولا ملك عظيم ، ولا غني كبير ، ولا طبيب ماهر ، الموت مصير كل حي.
تراودنا كأحياء بعض الأسئلة أحيانا، التي نهدف من ورائها معرفة ماذا سيحدث لأجسادنا بعد الممات، كيف تتحلل وما هو مصيرها؟
أشار د.صالح الشادي في كتابه "إنك ميت" لهذا الموضوع وبيّن هذه المراحل مستندا على دراسات علمية عديدة، فأجسادنا عندما تفارقها الروح تمر بمراحل متتالية حتى تنتهي إلى التراب، وكأنها تمر بمرحلة عكسية لخلقها الأول قبل أن تخرج للحياة. حيث قال تعالى"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين"
وهو أمر قد أثبته العلم الحديث وبشكل دقيق معجز، وهناك دراسات علمية أيضا بينت ماذا يحدث لجسد المتوفى من تغيرات حسب تتابعها الزمني، فكانت كالأتي:
الارتخاء الابتدائي:
حيث تفقد العضلات الإرادية وغير الإرادية قوتها ومقاومتها، وتصبح لينة سهلة التحريك دون أي مقاومة، إلا في حالة الانتحار أو الغرق، فإن العضلات تتيبس، وتسمى تلك الحالة بالتقلص الرمي.
الزرقة الرمية أو التلون الرمي: وهو تغير يحدث في لون الجلد في مناطق مختلفة منه، وذلك بسبب حركة الدم بفعل الجاذبية الأرضية ،حيث يتحرك الدم في الأوعية الدموية في اتجاه اقرب الأماكن من الجسم إلى الأرض.وتستمر حركة الدم لبضع ساعات قبل أن يتجلط الدم داخل الأوعية الدموية، وتؤدي حركة الدم وتجمعه في الأماكن المنخفضة إلى تلون تلك الأماكن باللون القرمزي أو الأحمر النحاسي.
التيبس الرُمي:ويبدأ بعد الوفاة بساعتين،حيث تتيبس جميع عضلات الجسم الإرادية واللاإرادية، ويبدأ التغيير في عضلات الوجه والرقبة ،ثم ينتشر تدريجيا مرورا بعضلات الجذع واليدين والبطن والفخذين والساقين، ويكتمل تيبس العضلات بعد حوالي اثنتي عشرة ساعة ويستمر بعد ذلك لمدة أربع وعشرين ساعة تقريبا، بعدها تبدأ العضلات في الارتخاء تدريجيا بدءا بعضلات الوجه حتى ترتخي عضلات الجسم كله فيما يعرف بحالة الارتخاء الثانوي.
التعفن الرمي:وهي آخر مرحلة يمر بها الجسم الميت قبل عودته إلى حالته الأولى أي مادة الأرض، ويتعفن الجسم ويتحلل نتيجة لتأثير الخمائر (الأنزيمات) الموجودة داخل الخلايا، بالإضافة للميكروبات المركزة داخل القولون بالقناة الهضمية، وأي ميكروبات أخرى تكون داخل الجسم نتيجة المرض الذي يصيب الميت قبل وفاته.
تحلل جسد الميت يعيده لأصله :
قال تعالى :( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى).
تبدأ عملية التحلل الذاتي للخلايا بفعل الخمائر في أنسجة الدماغ والأعضاء اللينة الأخرى مثل الكبد والبنكرياس والغدد والأمعاء، ويتصاعد نتيجة لذلك غازات وسوائل عفنة ذات رائحة نتنة، وأما الميكروبات فتهاجم الخلايا من خارجها وتبدأ بمهاجمة أنسجة الأمعاء، وتنتشر بعد ذلك بسرعة إلى جميع أجزاء الجسم، ويساعدها على ذلك وجود الأوعية الدموية التي تعمل كممرات تصل إلى كل مكان بالجسم، وتحتوي في نفس الوقت على الدم الذي يعتبر من أغنى المواد الغذائية لنشاط الميكروبات ونموها.
ونتيجة لتحلل مكونات الخلايا والأنسجة تتصاعد غازات مختلفة مثل أول وثاني أكسيد الكربون عديمي الرائحة وغاز الامونيا النفاذ، وغاز كبريتيد الهيدروجين كريه الرائحة..الخ، ويؤدي تصاعد تلك الغازات وغيرها إلى انتفاخ البطن من الجزء الأول للأمعاء الغليظة المسمى بالأعور والذي يقع في الركن الأيمن السفلي للبطن، ويتغير لون جلد البطن فيميل إلى الاخضرار، كما يؤدي تكوّن الغازات داخل الأوعية الدموية إلى انتفاخها مما يعطي الجلد شكل الرخام،كما تتجمع رغاوي عفن الرائحة بالفم وحول الأنف، وتجحظ العينان ويبرز اللسان خارج الفم.
وخلال يومين أو ثلاثة، يزداد البطن انتفاخا، وتخرج محتويات الأمعاء خلال فتحة الشرج، ويزداد تجمع الغازات داخل البطن مما يؤدي إلى انفجارها ويتسلخ جلد الجسم كله خلال الأسبوع الثاني من الوفاة.
ويستمر الحال حتى لا يبقى من الجسد إلا عظامه وبعض غضاريفه التي تأخذ طريقها في التحلل تدريجيا لينتهي من الوجود كل اثر لذلك المخلوق الذي عاش على الأرض وتنقل بين جنباتها سنين عديدة..! فيا لها من نهاية .