|
الأحلام....حالة صحية للحفاظ على لياقة العقل
صابرين الصافي
"البكاء في المنام فرج، ومن يرى البنت فهي دنيا، والسمك رزق ورؤية الميت في الحلم موضوع قديم سيتجدد، والحية مثلا صديقة سيئة، وإذا مات شخص فسيكتب له عمر جديد، والفضة أفضل من الذهب، لأن لون الذهب الأصفر يرمز إلى المرض".
لستُ بمحللة نفسية، لكن مجموعة من التفسيرات الشائعة في مجتمعاتنا العربية للأحلام، دفعتني للبحث عن آراء الأطباء النفسيين من خلال استطلاع خاص بـ "الطبية" حول مدى متابعة الناس لموضوع الأحلام وتأثيره على نفسيتهم وحياتهم، وقد تبين أن 70 % من الأشخاص تعتبر الأحلام بالنسبة لديهم جزءا لا ينفصل عن حياتهم ويكونون حريصين على تفسيرها، وأن 30% لا يشغلهم موضوع الأحلام أبدا، علما أن بعض أحلامهم تتحقق.
الحلم زائر للإنسان، يشعره بالفرح أحيانا، وفي أحيان أخرى يعكر حياته ويبحث عن حل لنسيانه فيقع في صراع بين الوهم والواقع، وهناك من يهتم بتفسيره ويخصص جزءاً من وقته لقراءة كتاب لتفسير الأحلام، وآخر يستشير أهل الدين أو يتصفح الانترنت والبعض الآخر يتركها خلفه أملاً في أن تمحو ساعات النهار تفاصيلها من ذاكرته.
"أنشغل بموضوع الأحلام وخاصة عندما أكون في جلسة النساء، فالنساء أكثر اهتماماً بهذا الشأن من الرجال ولكنني لا أكترث بها لأنني واقعية، لأن ما يتعلق بالأحلام يقع في دائرة الغيبيات"، كان هذا رأي السيدة م.ن بالأحلام وتفسيرها.
أما و.ق فهي تره عكس ذلك، حيث تؤمن بأن الأحلام مرتبطة بشكل وثيق بما يخزنه العقل الباطن، والعقل الباطن يعكس ما يراه الإنسان طوال اليوم من مشكلات ومشاعر تتركب في الذاكرة وتأتي في الحلم في شكل مشاهد وصور.
بينما يتعامل س.ص مع موضوع الحلم على محمل الجد، وأحياناً أخرى يجد الأحلام مجرد تراكمات وانعكاسات لما حدث معه طوال اليوم. أو نتيجة للتفكير في قضية شغلته طويلاً.
وترفض ع.د ويرفض فكرة النظر إلى الأحلام أو الاهتمام بها فيقول: لا أعتقد أن وراء الأحلام تفسيراً صحيحاً ، فهي لا تشكل قيمة في حياة الإنسان، إلا الرؤيا فهي من عند الله والإنسان الذي ينعم عليه بالرؤيا هو قريب جداً من العبادات وله صفات خاصة.
أما الطالبة ل.و عبرت عن رأيها الخاص بالأحلام بقولها : “يشدني تفسير الجدات والبرامج التلفزيونية للأحلام، وفعلاً يصادف أن تكون المعاني والرموز قريبة من الأحداث الواقعية.
وبناء على هذا الاستطلاع الذي قامت به الطبية، تم دراسة الموضوع من الناحية الطبية والنفسية، فالآراء حول هذا الموضوع كثيرة، والتي سنتطرق إليها من منطلق نفسي وطبي.
الطبيب النفسي يفسر الحلم بأنه قراءة للعقل الباطن
يهتم الطب النفسي بالأحلام من خلال ارتباطها بالحياة النفسية للمرضى والأصحاء على حد سواء، ومن خلال ما تعنيه بالنسبة للصحة النفسية حتى لو كانت مجرد أحلام غامضة، فالطبيب النفسي يعتبر الحلم "الباب الملكي" لقراءة وفهم كثير مما يدور داخل العقل الباطن.
وفي هذا الصدد اتجهت الأبحاث إلى إخضاع الأحلام إلى دراسات علمية لكشف الكثير من الغموض الذي يحيط بتفسير كيفية وأسباب حدوث الأحلام أثناء النوم، ففي بعض التجارب تم متابعة أشخاص من المرضى والأصحاء أثناء النوم مع توصيل أقطاب ترصد نشاط العقل والجهاز العصبي خلال مراحل النوم على مدى ليلة كاملة أو أكثر، وقد تبين أن الأحلام تحدث خلال مراحل معينة مع حركة العين السريعة (مدتها 10 دقائق تقريباً تتكرر مرة كل 90 دقيقة)، ولعل ذلك هو السبب أننا نحلم بأشياء متعددة أثناء النوم ليلاً غير أننا لا نتذكر سوى آخر هذه الأحلام قبل أن نستيقظ في الصباح.
الأحلام ليست حالة مرضية
الأحلام ليست حالة مرضية على الإطلاق، بل على العكس من ذلك فإنها من وجهة النظر النفسية تعبير عن حالة الصحة النفسية المتوازنة ، ولكن تختلف أهمية الأحلام في شكوى المرضى المصابين بالاضطرابات النفسية المختلفة مثل القلق والاكتئاب والفصام.
أما الكوابيس هي إحدى الشكاوى الرئيسية لمرضى القلق، حيث تحول نومهم إلى معاناة أليمة لأنها دائماً تدور حول أحداث مخيفة تسبب الإزعاج، وعند مرضى الاكتئاب أيضاً تحدث الكوابيس بصفة متكررة أثناء النوم ويكون محتواها في كل الأحوال أحداث تبعث على الاكتئاب، فيصحو المريض من نومه ويستقبل يومه وهو في أسوأ حالاته النفسية، أما مرضى الفصام فتظهر في أحلامهم الأشباح والأصوات المخيفة التي تطاردهم أيضاً في حالة اليقظة .
الخلايا العصبية تتخلص من المواد المتراكمة في الحلم
ما يهم الطبيب النفسي هي الأحلام المتكررة بصورة واحدة، وتحدث هذه الحالة مع الأشخاص الذين يتعرضون لضغوط اقتصادية أو اجتماعية أو مرضية. والحلم ضروري لتجديد طاقة الدماغ حيث ويؤكد العلماء أن هناك هرمونات تخرج ليلاً أكثر من النهار،وذلك حسب ما يرى الدكتور عابد أبو مغيصب استشاري أمراض نفسية وعصبية، ويعتقد أن الخلايا العصبية تتخلص من المواد المتراكمة بها في الحلم.
الأحلام...أحدث وصفة للوقاية من الأمراض
أما د. ماهر القبلاوي أستاذ العلاج الطبيعي فيؤكد أن عدة دراسات عالمية، تؤكد دور الأحلام في التحذير من الإصابة ببعض الأمراض الخطيرة، والدلالات كثيرة، فمن يرى شلالات بصورة متكررة في أحلامه، بمعنى أن أمراض الدم والأنيميا بدأت تهاجم جسده، كذلك رؤية الغابات الكثيفة والجبال الشاهقة، والمزارع الخضراء، دليل على تأهب الجسم للإصابة بأمراض الكبد، أما الأحلام التي تدور حول الأشباح والعفاريت والنيران أو الأدخنة، فتشير إلى معاناة الفرد من اضطرابات في الدورة الدموية والقلب، والشخص الذي يخوض حرباً أو معارك وطرقاً وعرة في المنام، يعاني من أمراض بالجهاز التنفسي واضطرابًا في وظائف الرئتين، وهكذا لكل طائفة من الأحلام، مردود فسيولوجي ينبهنا لعلاجه، أو البحث عن سبل للوقاية منه.
ويؤكد د. القبلاوي أن كل هذا الكلام مبني على أساس علمي، أثبتته الدراسات والأبحاث.
الأطباء يؤكدون إمكانية صنع أحلام حسب الرغبة
توصل الألماني ميشائيل شريدل المتخصص في أبحاث الأحلام بجامعة مانهايم إلى إمكانية تدخل الإنسان بتحديد نوعية الحلم الذي يريده بواسطة تدريب معين ، حيث يقترح شريدل انتهاج استراتيجية نشطة للتغلب على المخاوف مثل التفكير بشكل مكثف أثناء النهار في أحد المواقف المخيفة التي يتعرض لها صاحب المخاوف في أحلامه، وذلك لمواجهة الأحلام السيئة.
وللأحلام دور هام في تحقيق المتعة الشخصية إلى جانب أهميتها العلمية، ويقول شريدل "أصحاب الأحلام الإيجابية يكونون ذوي مزاج أفضل خلال النهار".
ويقترح التحلي بالصبر في محاولة الوصول لهذه الأحلام من خلال التدرب على مدى أربعة أسابيع، وقال إنه جرب ذلك بنفسه، ومن بين الوسائل التي تعين على الوصول لهذه الأحلام أن يكرر الإنسان قوله لنفسه قبل دخوله مرحلة النعاس "لن أحلم حلما واضحا اليوم" وأحد أهم شروط "الأحلام الواضحة" هو تذكر تفاصيل هذه الأحلام في اليقظة، فقد بينت الدراسات أن الأشخاص الذين يتأملون بشكل منتظم يرون "أحلاما واضحة" أكثر من أقرانهم.
أحلام العصافير مهرب ممتع
تضيف الباحثة «أفنان مصطفى» بمعهد دراسات الطفولة أن قضاء الطفل ما بين 8 ـ 10 سنوات أكثر من 10 دقائق في الأحلام، لا يعد سلوكاً عادياً، بل هو انغماس إلى درجة الإعاقة عن أداء واجباته المدرسية، وهنا تتفاقم المشكلة! وترجع أسباب هذا إلى أن أحلام اليقظة مهرب ممتع، وأكثر إشباعاً من حياته الواقعية.
أحلام اليقظة مرتبطة بجنس الشخص
تختلف أحلام الأشخاص بحسب جنسهم حيث يرى الدكتور يسري عبد المحسن، أستاذ الطب النفسي، أن أحلام اليقظة نوع من التخيل الاجتماعي يرسخه الإنسان لذاته في مرحلة مستقبلية، ومن ثم فهي تجمع بين الخيال واليقظة، التمني والواقع في مخيلة الإنسان ،كما أنها تختلف عند الطفل، عنها في مرحلة الشباب، وبالطبع أحلام المرأة تختلف عن أحلام الرجل، ليس بسبب عوامل بيولوجية، إنما بسبب عوامل اجتماعية ومكتسبة، والأحلام ما هي إلا انعكاس طبيعي للواقع، فنجد أحلام الرجل تتجه إلى العمل والمكانة الاجتماعية والوضع المرموق والوظيفة والثروة، بينما تتجه أحلام المرأة إلى الاستقرار والارتباط العائلي والعاطفي.
الأحلام مختلفة عن الأضغاث
ومن منظور إسلامي، فإن الأحلام التي تحمل نبوءة للمستقبل قد ورد ذكرها في القرآن الكريم في قصة يوسف عليه السلام وأيضاً رؤية إبراهيم عليه السلام يذبح ولده إسماعيل عليه السلام،غير أن وصف بعض الأحلام بأنها "أضغاث أحلام" يدل على عدم أهميتها أو علاقتها المباشرة بأحداث المستقبل .. وفي المنظور الإسلامي أيضا ما يشير إلى ضرورة الابتعاد عن التشاؤم نتيجة لبعض الأحلام ذات المضمون المزعج أو التأثر بمحتواها وعدم توقع حدوث مكروه نتيجة لذلك في المستقبل.
وبالنهاية فالتفسير العلمي والنفسي للأحلام التي تحمل بعض النبوءات لا يزال محل جدل، غير أن الحقيقة العلمية تؤكد أن هناك علاقة بين العقل الإنساني والبيئة المحيطة، وتفاعله مع الآخرين في شعور عام يطلق عليه العقل الجمعي الذي يتأثر بالأحداث العامة نتيجة لاستمرار الإنسان وتوارث خبراته وعلاقته بالزمان والمكان .
|