|
أيها الطبيب.. أنت تملك الابتسامة
ما زالت ذكرى ذلك الطبيب تثير في نفسي الكثير من الاشمئزاز، حيث أصبت بجروح عميقة في أربعة من أصابع يدي اليسرى، وذهبت للمستشفى لخياطتها.
أتذكر اللامبالاة التي كان يتعامل بها الطبيب مع حالتي رغم الألم الشديد والفزع، أتذكر أيضا سخريته من ألمي وعدم تصديقه مشاعري.
أذكر أيضا مشهدا لا يزال عالقا في ذهني وأنا في معهد الأورام مع إحدى البنات، كانت صغيرة لا تتعدى العشرين من عمرها، يتيمة الأب والأم، تخلع ملابسها في غرفة ملحقة بغرفة العمليات لتجرى جراحة ما لا أتذكرها، لكنى أذكر جيدا الطبيب الذي استعجلها لخلع ملابسها وأبدى اعتراضه لتضيعها الوقت.
أكثر ما يربط القصتين ببعضهما، رغم اختلاف المكان والأطباء، هو المعاملة الجافة بين الطبيب والمريض، والتي تتراوح ما بين الإهانة في المستشفيات الحكومية والتهكم واللامبالاة في المستشفيات الخاصة.
تلك العلاقة بين الطبيب والمريض شغلت العديد من علماء النفس في فرع علم النفس الطبي، وأخذت العديد من الدراسات تحاول إثبات دور العلاقة الإيجابية والمساندة للمريض وأثرها على تحسنه.
أتذكر موقفا حدث لي يؤيد هذا الكلام، فعند إصابتي بهذه الجروح وفى أثناء كشف الطبيب على الجرح وهو ينظفه ظل يسخر بشكل أهانني، ممن أجرى تلك الخياطة وأكد لي أنه لابد أن يفك الخياطة ويجريها مرة أخرى.
وقتها أصبت بالهلع الشديد وشعرت بآلام فظيعة في الجرح، بعدها ذهبت لطبيب آخر لأستشيره في فكرة فك الخياطة، أكثر ما كان يتميز به ذلك الطبيب هو تلك الدقائق العشر التي منحني إياها ليستمع إلى قصة الجرح وكيف حدث ذلك، وكم تألمت، استمع إلى جيدا متابعا ملامحي وأنا أحكى متأثرا كما بدا عليه، طمأنني واعتذر مبدئيا عن الألم الذي ربما يسببه لي كشفه، أتذكر أنني لم أشعر بأي آلام تذكر، وتشجعت كثيرا.
على الرغم من تزايد الدراسات التي تثير قضايا كثيرة في علم النفس الطبي، فإن الأطباء لا يهتمون بهذا الفرع من علم النفس، فمساندة المريض في ألمه ليست وحدها من الموضوعات الأساسية في هذا الفرع، بل هناك العديد من الموضوعات مثل مدى امتثال المريض لتعليمات الطبيب.
فقد تم اكتشاف أن هناك عوامل عدة تتدخل في هذه العملية مثل عدم تذكر المرضى العديد من تعليمات الطبيب، لذا فعند إجراء دراسات تقارن مدى تذكر المرضى للتعليمات التفصيلية المكتوبة بوضوح على ظهر الروشتة مقارنة بتذكرهم المعلومات التي يلقيها الطبيب بسرعة وبلامبالاة في الخمس دقائق التي يمنحها المريض، وجد أن التعليمات المكتوبة أفضل كثيرا وتؤدى لامتثال المرضى للتعليمات.
كما حاولت العديد من الدراسات الكشف عن أثر المدة الزمنية التي يقضيها الطبيب مع المريض في المرة الأولى على مدى رضا المريض عن الخدمة المقدمة. ولوحظ أنه لا توجد فروق دالة بين المدد الزمنية المختلفة.
بالقدر الذي يعكس نوعية الخدمة المقدمة فعند تحليل الجلسة الطبية تبين أن ما نسميه «التفاعل غير اللفظي» من أكثر الأشياء التي تؤثر في رضا المريض، وذلك مثل النظر إلى عيني المريض وإبداء الاهتمام والتعاطف الواضح على الوجه.
كل هذه الانفعالات تؤثر بشكل إيجابي ويمكنها أن تزيد من دافعية المريض للعلاج وتؤدي لتحسنه.
ربما نلاحظ ذلك عند زيارتنا للطبيب وربما نقوم بهذا التحليل للجلسة بعد قيامنا ويتحدد عليها مدى رضائنا عن الطبيب، فنجدنا وقد تحدثنا عن راحتنا لطبيب معين رغم عدم ضبطه مواعيده إلا أنه يشعرنا بالاهتمام، وهناك الطبيب الشهير الذي لا يعنيه سوى ما سندفعه فقط مقابل ما سيمنحنا من دقائق.
ربما يرى بعض الأطباء أن ذلك مجرد أشياء لا أهمية لها، والأهم هو مدى تأثير الدواء الذي سيكتبه على صحة المريض، لكن الدراسات منذ وقت بعيد تحدثت عن تأثير الحالة النفسية على الجسمية.
أعرف أن الوضع في مستشفياتنا سيئا ، لكن إذا كنا لا نملك قدرا كبيرا من الإمكانات والتجهيزات الطبية، فنحن نملك بالتأكيد ابتسامة يمكننا أن نمنحها المرضى.
ونملك مشاعر يمكنها أن تسانده، فتلك العلاقة بين المريض والطبيب بإمكانها أن تقف عاملا أساسيا فعالا ومؤثرا بشدة في مدى تحسنه.
رضوى أسامة ( باحثة نفسية)
www.shorouknews.com
|